الجمعة، 8 أكتوبر 2010

الخيال في الإرشاد والعلاج


يستخدم الخيال كأسلوب فعال في العلاج النفسي ويقرر شور(1972، Shorr) أن العلاج النفسي الخيالي يركز على إدراك كيف أن الفرد قد جرى وصفه وتحديده من قِبل الآخرين بشكل زائف، وكيف أنه ينبغي أن يتعلم تحديد ذاته في اتساق مع هويته الحقيقية. ويعد الخيال نظاماً مفتوحاً يسمح للمعالج بخلق أساليب جديدة حين تصبح ضرورية. ويساعد كذلك في الكشف عن الاتجهات والمشاعر والانفعالات والذكريات والأنماط السلوكية المنسية والمكبوتة والمشوهة بطريقة أكثر سرعة وفاعلية من مناحي تقليدية كثيرة في العلاج النفسي، فالخيال يتميز بالمقدرة على تخطي آليات المقاومة أو الآليات الدفاعية التي تستخدم في التفاعلات اللفظية .



وأشار Sheikh و Jordon عام 1983 إلى عدد من خصائص الخيال التي تجعل منه أداة مناسبة وفعالة في العمليات الإرشادية والعلاجية ومنها :

• أن الخيال يمثل الجزء المركزي للآليات الإدراكية الاسترجاعية للإستجابة .

• الخيال والإدراك عمليات متشابهة فسيولوجياً وعصبياً وتجريبياً ولا يمكن التمييز بينهما بأي خصائص جوهرية .

• تعتبر الصور الذهنية مصادر للنشاط وتوجيه السلوك عن طريق تمثيل وتصوير موضوع الهدف .

• يعتمد المعنى بشكل كبير على الصور فالكلمات تثير الصور المصاحبة للإستجابات العاطفية والتي تعتبر تباعاً مصدراً لمعنى الكلمات .

• يبدو أن الأفراد يتصرفون على أساس النتائج التخيلية أكثر من الاحتمالات الفعلية .

• تمنح الصور فرصاً فريدة لفحص تكامل الدافعية والإدراك والمعنى الذاتي والتفكير التجريدي.

• ربما يكون التخيل هو المدخل الأساسي للذكريات قبل الشفهية الهامة أو للذكريات المشفرة في المراحل التطورية التي لم تكن فيها اللغة سائدة بعد .

• التخيل له القدرة على إنتاج مجموعة كبيرة متنوعة من التغيرات الفسيولوجية .

• يفتح التخيل غالباً أفاقاً جديدة للاستكشاف عندما يبدو العلاج عاجزاً .

• يسمح التخيل للامتداد عبر الاستمرارية الواعية واللاواعية بإستعداد أكبر مما تفعله اللغة العلنية أو حتى اللغة السرية .

• أن الحلول التي يذكرها الفرد على المستوى الخيالي أثناء الإرشاد يتم تعميمها خارج بيئة الإرشاد (Cited in: Roeckelein, 2004).


مناحي استخدام الخيال في الإرشاد والعلاج

لقد سعى علماء ومنظرون كثيرون ، ومن خلال دراسات وبحوث متنوعة إلى تقديم تفسيرات نظرية للخيال وتحليل طبيعته وموقعه من تنظيم الشخصية فهناك المناحي التفسيرية العصبية، والإيحائية وكثير غيرها اهتمت بتفسير الخيال. لكن ما يهمنا أكثر هي تلك التفسيرات البارزة وهي :



المنحى النفسي الدينامي

يرى فرويد الخيال بأنه تحقيق لرغبات الفرد ، ووسيلة ذلك هو أحلام اليقظة ، فبعض رغبات الفرد تكون مستهجنة ومنافية للخلق ، فيكون تحقيقها في الحلم مخفياً . ويرى فرويد أن الحلم يصطنع في إخفاء الرغبة عدة حيل كإدماج عدة عناصر في عنصر واحد أو إبدال فكرة بأخرى ، أو نقل شعور معين من عنصر لآخر. وهكذا ينظر الفرويديون الكلاسيكيون إلى النشاط الخيالي على أنه اختزال للحافز (ورد في: بطرس،۲۰۰٤ ).

أما الفرويديون الجدد أمثال آنا فرويد، وميلاني كلاين يرون أن الخيال نشاط شائع لدى الأطفال ويفيد كوسيلة للتشخيص والعلاج للمشكلات النفسية. فاللعب الخيالي يهيئ الفرصة للطفل كي يتخلص ولو وقتياً من الصراعات التي يعانيها ويخفف من حدة التوتر. وكذلك ينظر التحليليون إلى الخيال من وجهة نظر علاجية ، فالتخييل بالنسبة لهم هو الرباط الذي يربط بين الواقع الداخلي للمريض النفسي والواقع الخارجي المتمثل فيما يكشف عنه المعالج بالتحليل النفسي . فهم يتناولون المخيلة على أنها قوة تقوم على التخزين دون تحريف الخبرات التي يمر بها الفرد ولا يقوى إلا على استرجاعها دون تغيير أو تبديل (Sheikh , 2002).



المنحى المعرفي

يعرض Egan علاقة الخيال بالعمليات العقلية المعرفية والانفعالية وموقعه منها، ويوضح أن الخيال يحتل نقطة رئيسة يتقاطع ويتفاعل معها الإدراك والذاكرة وتوليد الأفكار والانفعال وغير ذلك مما تضمنته حياتنا وفاعلياتنا، فبعض الصور التي نجدها تبدو أصداء لما أدركناه، أنه يمكننا أن نغيرها ونجمعها ونعالجها لتصبح كما لو كانت لا شيء مما أدركناه وتبدو ذاكرتنا قادرة على تحويل الإدراكات وخزن أصدائها بطرق لا تتطلب في الغالب صوراً شبيهة بالصورة الفعلية (كما في حالة الأصوات والروائح) وترتبط الجدة في الأفكار غالباً بقوى الخيال للبحث عن حلول للمشكلات وتبدو انفعالاتنا مرتبطة بهذه الصور الذهنية ، فحينما نتخيل شيئاً فإننا نميل إلى أن نشعر كما لو أنه حقيقي أو موجود ويبدو أن منطق الخيال أكثر مسايرة للمجاز من أي مخطط ذهني من العقلانية ، ثم يقرر Egan أن الخيال إضافة إلى مقدرته على تكوين الصور الذهنية، له قدرة أيضاً على التفكير في الممكن أكثر من مجرد التفكير الواقعي (Egan,1992).



المنحى السلوكي

يرى ماكينبوم (1977، Meichenbaum) أن الاعتماد على الصورة في العلاج السلوكي يمكن أن يسهم في التغيير حيث ارتكز على ثلاث عمليات رئيسية يقوم بها الخيال توضح ذلك:

• إن إحساس الفرد للتدريب ومراقبة الصور العقلية المختلفة تساعده في السيطرة على العواطف والسلوك الشخصي اللاحق.

• على الفرد ان يقوم بعملية معالجة الصورة لتحمل منظور جديد، مما يدل على أن برمجة الصورة ستكون منعكسة على الحوار الداخلي أثناء وبعد ظهور السلوك أو المشكلة.

• إن المعالجة التصويرية تتيح للفرد التدريب العقلي على البدائل السلوكية التي تساهم في تطوير مهارات وتقليد ما كان في المعالجة.

ويؤكد لانج Lang على أن ردود الأفعال المتخيلة سواء كانت لفظية، أو سلوكية، أو وجدانية فإنها تلعب دوراً رئيسياً في عمليات الخوف. لذلك يجب أن يتضمن التعديل ردود أفعال الفرد المتخيلة، وأن تصور ردود أفعال إيجابية هو وسيلة لتأكيد الإجادة وإن هذا النوع من التخيل قد يعطي نتائج قيمة (Sheikh , 2002).

................................................


الخيال ... مفاهيمه ، اشكاله وانواعه ، ووظائفه

 الخيــال



إن الخيال هو ذلك الجانب من العملية المعرفية الذي يخلق ويوصل نواتج تختلف بشكل ملحوظ عن الأصول الإدراكية، ويعد وسيلة إنسانية تعمل بشكل مميز على تشكيل المستقبل. وهذه القوة للتعامل مع ما ليس هنا وما ليس الآن كما يسميها هيل وهنتلي (1998, Hill& Huntley) تسمح لنا بأن نغير إلى حد ما من خصائص الواقع ذاته، وبأن نوظف طاقاتنا في توافق مع الطبيعة سعياً إلى خلق الفرص لصناعة مستقبلنا بدلاً من أن نكون مجرد كيانات أو موضوعات سلبية إزاء إلهامات أو رؤى المستقبل.

مفاهيم الخيال

يعرف قاموس ريبر(1995, Reber ) الخيال على أنه عملية توحيد ذكريات الخبرة السابقة والصور المتكونة قبلاً داخل بنية جديدة ، ويستخدم هذا المصطلح من الناحية العلمية أقرب كثيراً إلى اللغة العامة ، فالخيال يتم تناوله على أنه نشاط إبداعي وبنائي وقد يكون أساساً من قبيل التفكير الرغبي أو مقيداً بالواقع، وقد يتضمن خططاً وإسقاطات مستقبلية أو يكون مراجعات عقلية. لذا يوصف الخيال بأنه توقع للحاضر واسترجاع للماضي وابتكار للمستقبل.

ويذهب إيجان(1992, Egan) إلى أن الخيال ليس وظيفة محددة للعقل ولكنه يعمل بمرونة خاصة على تنشيط كل الوظائف العقلية وتقويتها فالخيال هو المقدرة على التفكير في الأشياء كما لو أنها من الممكن أن تكون هكذا كما تتخيلها ، وهو عمل قصدي للفعل ، وهو مصدر الجدة ، والحداثة والإنتاجية أو التكوينية ، والخيال ليس قدرة منفصلة عن العقلانية ولكنه قدرة تعمل على إثراء التفكير العقلاني بدرجة كبيرة، وتعتبر قدرتنا على تكوين الصور عاملاً مشتركاً في استخدامات الخيال بل ومتضمناً في كل أشكال التخيل .

ويذكر عبدالحميد(۲۰۰٩) أن الخيال عملية إرادية مرنة للاستكشاف والتجوال العقلي للعالم الخاص بالصور، فهو يُكون الصورة ويحركها ويحولها داخل عقل المرء لمحاولة الوصول إلى تنظيم جديد، وهو عملية كلية يضم عمليات فرعية خاصة به .

أشكال وأنواع الصور العقلية

وفيما يلي أشكال وأنواع الخيال كما ذكرها الباحثين هيل، هيل ،سترادلنج ويونج (2006، Hall, Hall, Stradling &Young ) وهي:

۱- ما بعد الخيال: يمكن إحداث هذا النوع من الخيال عن طريق النظر في الإضاءة لفترة زمنية ثم تحويل البصر إلى سطح أبيض والصورة الناتجة ربما تعود إلى نشاط متواصل في شبكية العين.

۲- خيال الطيف أو الشبح: هو القدرة على النظر في مشهد بصري معقد ثم القدرة على رؤيته في عين العقل ووصفه بالتفاصيل الدقيقة و كأن العين آلة تصوير. وهذه القدرة إلى حد كبير مقصورة على الأطفال والأفراد الذين يعيشون في مجتمعات غير تكنولوجية ويحتفظ بعض الكبار المتعلمين بهذه القدرة في شكل ذاكرة مصورة، وإن بعض الطلاب المحظوظين قادرون على تصوير صفحات الرسائل والمذكرات واستخدامها في الاختبارات.

۳- خيال الذاكرة: وهو تذكر أو استدعاء أحداث من الماضي بالخيال. وبخلاف خاصية التصوير للخيال الطيفي, فعندما نحاول تذكر أحداث من الماضي, فإن ذلك عند معظمنا قد يكون خبرة غامضة وضبابية، وقد تتغير أبعاد وزوايا الصورة مع مرور الوقت.

٤- أحلام اليقظة: حلم اليقظة هو نشاط عقلي معروف ومشهور رغم شعورنا بالذنب نحو هذا النوع من الأحلام، ومع ذلك فحلم اليقظة ليس مجرد قدرة الكسول على التحمل, فهي شيء نقوم بفعله معظم الوقت حتى في العمليات الذهنية المعقدة. فالانتباه لمحتوى موضوع أحلام اليقظة ربما يجذب الانتباه إلى جوانب المشكلة الحالية في الحياة إما من خلال ملاحظة الأنماط السلوكية المتكررة أو من خلال آمال و أحلام لم تتحقق مازالت غير واقعية بشكل محبط.

٥- الخيال المسبب للنوم وقبل الصحو: وهي الصور التي تطرأ على الشعور عندما ننام أو نستيقظ. وهذه الأنواع الفريدة من الحلم في الخيال النعاسي وقبل الاستيقاظ ربما توجد في الخيال الموجه.

٦- الأحلام: يبدو أن الحلم ظاهرة عامة ولكن الروايات عن خبرة الأحلام تختلف من شخص لآخر. يرى بعض الأفراد أن الخيال الموجه يشبه أحلامهم أو حالة تشبه الحلم. ومع ذلك فخيال اليقظة عامة معروف ومفهوم بأنه خبرة مختلفة من حيث النوع ضمن خيال الأحلام.

۷- الهلوسة وخيال الحرمان الإدراكي: إذا كانت خبرة الفرد الحسية محدودة نوعا ما كجزء من الخبرة النفسية تحت التعذيب, مثل غسيل المخ أو أداء وظيفة رتيبة ومملة, هنا يمكن للعقل إنتاج صور بشكل تلقائي وكأن الجهاز العصبي يشعر بضرورة إحداث هلوسة وأوهام بصرية وسمعية ولمسية لتعويض النقص والعجز عند صعوبة التوصل إلى الخبرة الحسية.

ويرى شفيق (۲۰۰۰) أن الصور الذهنية مستقاة من الخبرات السابقة والذكريات ، وأن الأفرد يختلفون من حيث تكوين هذه الصور فالبعض يغلب عليه الصور البصرية والبعض الآخر يغلب عليه الصور السمعية وكذلك الحركية والذوقية والشمية والعضوية والجلدية وهذه الصور بمثابة المادة التي تستمد منها عملية التخيل عملها و يذكر شفيق بأن للتخيل ثلاثة أنواع وهي:

التخيل الاسترجاعي وهو استحضار للخبرات السابقة دون تعديل أو تغيير في الصورة الذهنية.

التخيل التأليفي حيث يمارس الفرد فيه بعضاً من الحرية في معالجته للصور كالإضافة أو الحذف والاستبدال .

التخيل الإبداعي الذي يكون أكثر حرية وانطلاقاً بحيث يتصرف الفكر في المدركات الحسية والوجدانية ويكون المجال للمعاني والأفكار وعلاقة بعضها ببعض والكشف عن علاقات ومتعلقات ووظائف جديدة .

وظائف الخيال

يعد الخيال مكوناً أساسياً من مكونات النشاط العقلي والانفعالي والاجتماعي ، وهو مرآة لحياة الطفل والثقافة والمجتمع وحضارة الأمة .

ويشير بوجيلسكي Bugelski إلى أن الخيال يساعد في تحقيق التكيف والتخلص من المشكلات، وقد يكون سبباً في بعض الأحيان لخلق مشكلات جديدة (Cited in: Roeckelein, 2004)

ويرى ميخائيل (۱۹۹۳) أن فلسفة القوة المستقبلية تعتمد على ما يتمتع به الإنسان من تخيل للمستقبل كما يريده أن يكون، فثمة حقيقتان لا سبيل إلى إنكارهما : حقيقة تخيلية، وحقيقة أخرى واقعية، والحقيقة الواقعية قد تأتي كنتيجة لتحويل الحقيقة التخيلية من نطاق الخيال إلى نطاق الواقع.

وتوصلت جوردون Gordon في بحوثها ومناقشاتها للخيال إلى نتيجة مفادها أن الخيال يقوم بعدة وظائف سيكولوجية وبيولوجية مهمة منها :

- مساعدة الإنسان في تنظيم صعوبة المثيرات الحسية في أنماط مفهومة وهادفة تسمح بإطلاق ردود الأفعال الغريزية في المواقف المناسبة .

- تجريد وتصنيف وربط الإدراكات الحالية بالخبرة القديمة، مما يساعد في عمليات التعلم والتكيف .

- مساعدة الخيال للإنسان أيضاً على تحمل الإحباطات الحالية من أجل الرضا وحياة أفضل بالمستقبل .

ومع هذا، فالخيال هو المادة الخام لقدرة الفرد على التخيل وصناعة الصور الذهنية والرمزية وهو أساس حاجة الإنسان إلى صناعة الفن (Cited in: Roeckelein, 2004).

ويرى عبدالحميد أن الخيال له ثلاث وظائف أساسية في حياة الطفل: فهو أحد أشكال التفكير الأساسية التي تمكن الطفل من تمثل الواقع، ويتيح الفرصة للتعبير عن الأفكار والمشاعر وخفض التوترات، ويقوم بإحداث تكامل بين المزاج والدافعية والذكاء والموهبة (عبدالحميد وخليفة،۲۰۰۰).

.............................................................