الخيــال
إن الخيال هو ذلك الجانب من العملية المعرفية الذي يخلق ويوصل نواتج تختلف بشكل ملحوظ عن الأصول الإدراكية، ويعد وسيلة إنسانية تعمل بشكل مميز على تشكيل المستقبل. وهذه القوة للتعامل مع ما ليس هنا وما ليس الآن كما يسميها هيل وهنتلي (1998, Hill& Huntley) تسمح لنا بأن نغير إلى حد ما من خصائص الواقع ذاته، وبأن نوظف طاقاتنا في توافق مع الطبيعة سعياً إلى خلق الفرص لصناعة مستقبلنا بدلاً من أن نكون مجرد كيانات أو موضوعات سلبية إزاء إلهامات أو رؤى المستقبل.
مفاهيم الخيال
يعرف قاموس ريبر(1995, Reber ) الخيال على أنه عملية توحيد ذكريات الخبرة السابقة والصور المتكونة قبلاً داخل بنية جديدة ، ويستخدم هذا المصطلح من الناحية العلمية أقرب كثيراً إلى اللغة العامة ، فالخيال يتم تناوله على أنه نشاط إبداعي وبنائي وقد يكون أساساً من قبيل التفكير الرغبي أو مقيداً بالواقع، وقد يتضمن خططاً وإسقاطات مستقبلية أو يكون مراجعات عقلية. لذا يوصف الخيال بأنه توقع للحاضر واسترجاع للماضي وابتكار للمستقبل.
ويذهب إيجان(1992, Egan) إلى أن الخيال ليس وظيفة محددة للعقل ولكنه يعمل بمرونة خاصة على تنشيط كل الوظائف العقلية وتقويتها فالخيال هو المقدرة على التفكير في الأشياء كما لو أنها من الممكن أن تكون هكذا كما تتخيلها ، وهو عمل قصدي للفعل ، وهو مصدر الجدة ، والحداثة والإنتاجية أو التكوينية ، والخيال ليس قدرة منفصلة عن العقلانية ولكنه قدرة تعمل على إثراء التفكير العقلاني بدرجة كبيرة، وتعتبر قدرتنا على تكوين الصور عاملاً مشتركاً في استخدامات الخيال بل ومتضمناً في كل أشكال التخيل .
ويذكر عبدالحميد(۲۰۰٩) أن الخيال عملية إرادية مرنة للاستكشاف والتجوال العقلي للعالم الخاص بالصور، فهو يُكون الصورة ويحركها ويحولها داخل عقل المرء لمحاولة الوصول إلى تنظيم جديد، وهو عملية كلية يضم عمليات فرعية خاصة به .
أشكال وأنواع الصور العقلية
وفيما يلي أشكال وأنواع الخيال كما ذكرها الباحثين هيل، هيل ،سترادلنج ويونج (2006، Hall, Hall, Stradling &Young ) وهي:
۱- ما بعد الخيال: يمكن إحداث هذا النوع من الخيال عن طريق النظر في الإضاءة لفترة زمنية ثم تحويل البصر إلى سطح أبيض والصورة الناتجة ربما تعود إلى نشاط متواصل في شبكية العين.
۲- خيال الطيف أو الشبح: هو القدرة على النظر في مشهد بصري معقد ثم القدرة على رؤيته في عين العقل ووصفه بالتفاصيل الدقيقة و كأن العين آلة تصوير. وهذه القدرة إلى حد كبير مقصورة على الأطفال والأفراد الذين يعيشون في مجتمعات غير تكنولوجية ويحتفظ بعض الكبار المتعلمين بهذه القدرة في شكل ذاكرة مصورة، وإن بعض الطلاب المحظوظين قادرون على تصوير صفحات الرسائل والمذكرات واستخدامها في الاختبارات.
۳- خيال الذاكرة: وهو تذكر أو استدعاء أحداث من الماضي بالخيال. وبخلاف خاصية التصوير للخيال الطيفي, فعندما نحاول تذكر أحداث من الماضي, فإن ذلك عند معظمنا قد يكون خبرة غامضة وضبابية، وقد تتغير أبعاد وزوايا الصورة مع مرور الوقت.
٤- أحلام اليقظة: حلم اليقظة هو نشاط عقلي معروف ومشهور رغم شعورنا بالذنب نحو هذا النوع من الأحلام، ومع ذلك فحلم اليقظة ليس مجرد قدرة الكسول على التحمل, فهي شيء نقوم بفعله معظم الوقت حتى في العمليات الذهنية المعقدة. فالانتباه لمحتوى موضوع أحلام اليقظة ربما يجذب الانتباه إلى جوانب المشكلة الحالية في الحياة إما من خلال ملاحظة الأنماط السلوكية المتكررة أو من خلال آمال و أحلام لم تتحقق مازالت غير واقعية بشكل محبط.
٥- الخيال المسبب للنوم وقبل الصحو: وهي الصور التي تطرأ على الشعور عندما ننام أو نستيقظ. وهذه الأنواع الفريدة من الحلم في الخيال النعاسي وقبل الاستيقاظ ربما توجد في الخيال الموجه.
٦- الأحلام: يبدو أن الحلم ظاهرة عامة ولكن الروايات عن خبرة الأحلام تختلف من شخص لآخر. يرى بعض الأفراد أن الخيال الموجه يشبه أحلامهم أو حالة تشبه الحلم. ومع ذلك فخيال اليقظة عامة معروف ومفهوم بأنه خبرة مختلفة من حيث النوع ضمن خيال الأحلام.
۷- الهلوسة وخيال الحرمان الإدراكي: إذا كانت خبرة الفرد الحسية محدودة نوعا ما كجزء من الخبرة النفسية تحت التعذيب, مثل غسيل المخ أو أداء وظيفة رتيبة ومملة, هنا يمكن للعقل إنتاج صور بشكل تلقائي وكأن الجهاز العصبي يشعر بضرورة إحداث هلوسة وأوهام بصرية وسمعية ولمسية لتعويض النقص والعجز عند صعوبة التوصل إلى الخبرة الحسية.
ويرى شفيق (۲۰۰۰) أن الصور الذهنية مستقاة من الخبرات السابقة والذكريات ، وأن الأفرد يختلفون من حيث تكوين هذه الصور فالبعض يغلب عليه الصور البصرية والبعض الآخر يغلب عليه الصور السمعية وكذلك الحركية والذوقية والشمية والعضوية والجلدية وهذه الصور بمثابة المادة التي تستمد منها عملية التخيل عملها و يذكر شفيق بأن للتخيل ثلاثة أنواع وهي:
• التخيل الاسترجاعي وهو استحضار للخبرات السابقة دون تعديل أو تغيير في الصورة الذهنية.
• التخيل التأليفي حيث يمارس الفرد فيه بعضاً من الحرية في معالجته للصور كالإضافة أو الحذف والاستبدال .
• التخيل الإبداعي الذي يكون أكثر حرية وانطلاقاً بحيث يتصرف الفكر في المدركات الحسية والوجدانية ويكون المجال للمعاني والأفكار وعلاقة بعضها ببعض والكشف عن علاقات ومتعلقات ووظائف جديدة .
وظائف الخيال
يعد الخيال مكوناً أساسياً من مكونات النشاط العقلي والانفعالي والاجتماعي ، وهو مرآة لحياة الطفل والثقافة والمجتمع وحضارة الأمة .
ويشير بوجيلسكي Bugelski إلى أن الخيال يساعد في تحقيق التكيف والتخلص من المشكلات، وقد يكون سبباً في بعض الأحيان لخلق مشكلات جديدة (Cited in: Roeckelein, 2004)
ويرى ميخائيل (۱۹۹۳) أن فلسفة القوة المستقبلية تعتمد على ما يتمتع به الإنسان من تخيل للمستقبل كما يريده أن يكون، فثمة حقيقتان لا سبيل إلى إنكارهما : حقيقة تخيلية، وحقيقة أخرى واقعية، والحقيقة الواقعية قد تأتي كنتيجة لتحويل الحقيقة التخيلية من نطاق الخيال إلى نطاق الواقع.
وتوصلت جوردون Gordon في بحوثها ومناقشاتها للخيال إلى نتيجة مفادها أن الخيال يقوم بعدة وظائف سيكولوجية وبيولوجية مهمة منها :
- مساعدة الإنسان في تنظيم صعوبة المثيرات الحسية في أنماط مفهومة وهادفة تسمح بإطلاق ردود الأفعال الغريزية في المواقف المناسبة .
- تجريد وتصنيف وربط الإدراكات الحالية بالخبرة القديمة، مما يساعد في عمليات التعلم والتكيف .
- مساعدة الخيال للإنسان أيضاً على تحمل الإحباطات الحالية من أجل الرضا وحياة أفضل بالمستقبل .
ومع هذا، فالخيال هو المادة الخام لقدرة الفرد على التخيل وصناعة الصور الذهنية والرمزية وهو أساس حاجة الإنسان إلى صناعة الفن (Cited in: Roeckelein, 2004).
ويرى عبدالحميد أن الخيال له ثلاث وظائف أساسية في حياة الطفل: فهو أحد أشكال التفكير الأساسية التي تمكن الطفل من تمثل الواقع، ويتيح الفرصة للتعبير عن الأفكار والمشاعر وخفض التوترات، ويقوم بإحداث تكامل بين المزاج والدافعية والذكاء والموهبة (عبدالحميد وخليفة،۲۰۰۰).
.............................................................

هناك تعليق واحد:
مساء النور
مقال رائع
اود الاطلاع على المراجع التي كتب منها المقال
إرسال تعليق