الأربعاء، 18 أغسطس 2010

انفع العلم ما عمل به (3)

فهم الخجل من خلال النظريات المختلفة

لقد حاول عدد كبير من علماء النفس والأطباء النفسيين وعلماء الاجتماع محاولة توضيح خبرة الخجل المعقدة وتفسيرها من خلال تقديم مساحات كبيرة من الاحتمالات والإمكانات وقد ذكر زمباردو(Zimbardo,1989) اتجاهات تلك النظريات في تفسير الخجل كما يلي :



أ - الخجول بالميلاد :

قدم عالم النفس ريموند كاتل Raymond Catell نظرية الخجل بالميلاد ، حيث يعتقد بأن شخصية الفرد تتألف من مجموعة من السمات الأساسية . فيذكر أن هناك نوعين من السمات هما النوع الخجول والذي يولد ولديه جهاز عصبي مركزي سريع الحساسية والتهيج والإثارة بسهولة أكثر من النوع الآخر وهو الجريء وهذه الحساسية العالية والشديدة تؤدي إلى الخجل والانطواء والانسحاب من الأحداث التي تعتبر مصدر تهديد وخطر.



ب - تعلم الخجل :

تشير النظرية السلوكية إلى أن الخجل هو رد فعل مبغض مكتسب للأحداث الاجتماعية، وهذا التعلم قد يكون نتيجة :

۱- تاريخ سابق مليء بالخبرات السلبية مع الناس في مواقف معينة أما بالاتصال المباشر أو بمشاهدة الآخرين .

٢- نقص في تعلم المهارات الاجتماعية الصحيحة .

۳- توقع الأداء غير المناسب وبالتالي القلق المستمر من الأداء .

٤- تعلم الانتقاد الذاتي للأداء غير المناسب .



ج - خجل بسبب الصراعات المكبوتة :

عندما يأتي الحديث عن الصراعات والمكبوتات والخلافات التي تخلف رواسبها لدى الفرد منذ الطفولة فإننا نتحدث عن نظرة التحليل النفسي ورائدها فرويد والذي يرى بأن الخجل عرض ومظهر شعوري ورد فعل للرغبات الأساسية التي لم تتحقق " للهو" والتي تتحرك بقوة وعنف وتثور داخل النفس. وينظر عالم التحليل النفسي كابلان إلى الخجل على أنه ينشأ من انشغال الهو بالذات " النرجسية " وشحنة الأوهام بالعظمة التي تحيط بالفرد. والجدير بالذكر أن نظريات التحليل النفسي قائمة على أساس التاريخ المرضي للخجول.



د - خجل بالصفة واللقب :

يرى أصحاب هذه النظرية وهم علماء النفس الاجتماعيون أن كلمة خجول تسبق الخجل، حيث تكون ردود الأفعال السلبية للشخص المستهدف بهذه الصفات والألقاب كبيرة فيميل الشخص للتصرف في المواقف المختلفة على أنه شخص خجول بالفعل وإن أخفق في شيء فإنه يلوم نفسه بدلاً من الموقف .



هـ - خجول بسبب المجتمع :

يعتقد علماء الاجتماع وبعض من علماء علم نفس الطفولة أن الخجل يجب فهمه في صورة البرامج الاجتماعية، فظروف المجتمع تجعل كثيراً منا خجولين. فعدم الاستقرار والتنقل من مكان لآخر يولد الشعور بالخجل بحسب ما يراه أصحاب هذه النظرية(أبو فرحة،۲۰۰۰).

ويدعم هذه النظرية دراسة روبرت زيلر Robert Ziller عن التأثيرات النفسية للتنقل من مكان لآخر. حيث أجرى مقارنة بين ۳ مجموعات من الأطفال في الصف الثامن يعيشون كلهم في ولاية واحدة. المجموعة الأولى تكونت من ٨۳ طفلاً لأباء يعملون في القوات الجوية عاشوا في سبع دول مختلفة خلال فترة حياتهم القصيرة. وتكونت المجموعة الثانية من ٦۰ طفلاً عاشوا في ثلاث دول خلال حياتهم. أما المجموعة الثالثة فتكونت من ۷٦ طفلاً عاشوا في دولة واحدة فقط. طبقت عليهم اختبارات مختلفة لتقييم شعور الطفل باندماجه مع الأطفال والكبار، والعزلة الاجتماعية وتقدير الذات. وقد أظهر الأطفال في المجموعة الأولى كثيري التنقل والترحال شعوراً بالعزلة الاجتماعية أكبر وكذلك يرون بأن الذات هي المرجعية الأساسية وأن هذا التمركز حول الذات يعزز الشعور بالغربة ( Cited in: Zimbardo&Radl,2007).


يتبع .........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع
أبو فرحة، خليل. (۲۰۰۰). الموسوعة النفسية. عمان: دارأسامة.
Zimbardo, P.(1989). Shyness. USA: Da Capo Press
Zimbardo, P. & Radl, S.(2007). The Shy Child. NewYork: Ishk

الاثنين، 16 أغسطس 2010

انفع العلم ما عمل به (2)

أنواع الخجل

بين بعض العلماء أنواع الخجل أمثال Eysenck , Pikonis , Buss ، حيث بين ايزنك Eysenck بأن هناك نوعين من الخجل الاجتماعي، وهما الخجل الاجتماعي الانطوائي وهو الميل للعزلة ولكن مع توافر المقدرة على التواصل مع الجماعة عند الضرورة. والخجل الاجتماعي العصابي ويتميز بالقلق والحساسية للذات والذي يؤدي للصراع بين رغبة الفرد في مصاحبة الآخرين والخوف من هذه المصاحبة .

أما بيكونيز Pikonis فقد بين وجود نوعين أيضاً أسماهما الخجل العام والخجل الخاص . فالخجل العام يتميز بعيوب في الأداء عند ممارسة الظاهرة السلوكية العامة مما يؤدي إلى الفشل في ممارستها ويطلق عليه أيضاً الخجل العلني أي أنه خجل سهل معاينته من قبل الآخرين. أما الخجل الخاص فيتميز بالشعور الذاتي وعدم الارتياح والاستثارة الداخلية والخوف من التقييم السلبي وهنا يطلق عليه خجل ضمني، أي أن الفرد الخجول يشعر به لوحده ولا يلاحظه الآخرون (ورد في: الدريني،۱۹٨٤).

وذكر بص Buss تصنيف آخر لأنواع الخجل تتعلق بمخاوف الخجول فهناك الخجل المرتبط بالخوف من الآخرين والذي يرتبط بما هو جديد ومجهول ودخيل ويبدأ في السنة الأولى من العمر حيث يفضي إلى شعور بالخوف والهرب ويمكن أن يسجل تراجعاً مع تكرار التآلف بين الفرد وبين محيطه . أما النوع الآخر فهو الخجل المرتبط بالخوف من الذات والذي يبدأ حوالي سن الرابعة أو الخامسة ،ويفضي إلى قلق وتيقظ وصد وقد يتفاقم مع الوقت ، لشعور الفرد بأنه محط أنظار الآخرين (ورد في:أندريه،۱۹۹٨/۱٩٩٩) .

أشكال الخجل

هناك صور عديدة و أشكال مختلفة يظهر بها الخجل فيذكر الشربيني(۱۹۹٤) مجموعة من الأشكال المحددة للخجل وهي :

۱- خجل مخالطة الآخرين: ويأخذ شكل النفور من الزملاء أو الأقارب والامتناع أو تجنب الدخول في محاولات حوارية ، وأحياناً يفضل من يتخذ الخجل لديه هذا الشكل أن يخالط أشخاصاً يشبهونه في الخجل ليكون الحديث بينهم مقتضب .

۲- خجل الحديث: وهنا يكون الشخص ملتزماً للصمت ، وإجاباته تقتصر على القبول أو الرفض ، وإعلان عدم المعرفة لما يسأل عنه هرباً من إطالة الحديث مع الآخر، وقد يصاحب ذلك تلعثم وعدم التناسق في الجمل التي يقولها بالرغم من علمه بما يقول وقدرته على الرد .

۳- خجل الاجتماعات: حيث يكتفي الشخص بالحديث مع أفراد الأسرة وبعض الزملاء ، مع الابتعاد عن المشاركة في الاجتماعات أو الرحلات والأنشطة الرياضية.

٤- خجل المظهر: إذ يخجل الشخص عند ارتدائه لباساً معيناً، أو الأكل في مكان عام، وعند قص الشعر وتغيير تسريحته.

٥- خجل التفاعل مع الكبار: خاصة عند الحوار مع المدرسين أوالمدراء والبائعين .

٦- خجل حضور الحفلات أو المناسبات كالأفراح أو أعياد الميلاد وتفضيل العزلة والابتعاد عن مواقع هذه المناسبات وعدم الانخراط فيها.

وذكرت النيال(١۹۹۹) مجموعة من الأشكال المحددة للخجل ، واقترب عددها من ٢۱ شكلاً حيث مزجت النيال أنواع الخجل بالأشكال فما اعتبرته النيال شكلاً اعتبر لدى علماء آخرين نوعاً وذلك يعود لاختلاف المداخل التي يعتمدها العلماء والباحثين في هذا المجال فذكرت: الخجل الاجتماعي الانطوائي، والخجل الاجتماعي العصابي، والخجل العام، والخجل الخاص، والخجل من الذات، والخجل من الآخرين وهذه الأشكال من الخجل ذكرها علماء النفس بوصفها أنواعاً للخجل.
أما الأشكال الأخرى التي أوردتها النيال فهي: الخجل المزمن الذي يقلق صاحبه، ويخفض من مهاراته الاجتماعية ويزيد من انطوائه، والخجل العارض حيث يتعرض الفرد لمواقف اجتماعية معينة تقتضي الخجل وتزول بزوال الموقف، والخجل الموجب كالصفات المستحسنة من الهدوء و الحساسية، والخجل السالب كصفات غير مستحسنة اجتماعياً كالعزلة،و الخوف والقلق، والخجل المتوازن دون إفراط وبشكل مقبول اجتماعياً، والخجل المزاجي ويرتبط بالمزاج وتقلباته، والخجل التقويمي الاجتماعي ويرتبط بتقويم المواقف الاجتماعية، والخجل الحقيقي الواقعي من مواقف مثيرة فعلاً للخجل لدى الأفراد، وخجل وهمي مبني على تصورات خاطئة من صاحبه، وخجل متصنع من أجل تحقيق هدف ما، وخجل جنسي متعلق بالجنس والتناسل، وخجل معرفي متعلق بمعلومات تافهة أو خاطئة، وخجل عاطفي متعلق بالحب والعشق، وخجل لفظي وهي تعابير لفظية يمكن التعبير عنها، وخجل غير لفظي وهي تعابير حركية لا يمكن التعبير عنها لفظياً.

أسباب الخجل

تتعدد الأسباب التي يذكر الباحثون أنها قد تؤدي إلى الخجل ومنها:

۱- الوراثة: ويشير (Zimbardo,1989) إلى أن حوالي ۷٥٪ من الأطفال الخجولين يكون أباؤهم خجولين. وما أشار إليه زيمباردو يقود إلى أن الخجل له جانب وراثي من جهة و جانب بيئي تربوي من جهة أخرى. فبعض من علماء النفس يرى بأن الخجل ينتقل بالوراثة عن طريق الجينات للأبناء فيرث هؤلاء الأبناء بعض من صفات الأب أو الأم الخجولين. لكن الأدلة الداعمة على وجود سبب وأصل وراثي للخجل هي أدلة غير مباشرة وليست حاسمة.

۲– خبرات الطفولة المبكرة، وطريقة إدراك الفرد وتفسيره لهذه الخبرات وما يتعرض له من إخفاقات وصعوبات في المواقف الاجتماعية والمدرسة.

۳– كذلك الاقتداء بالوالدية الضعيفة، حيث يحاكي الأبناء صوراً وتفاعلات من قبل الأباء تتسم بالخجل فتكون سبباً في إصابة الطفل بالخجل .

٤– ويمثل اللقب (الوصمة) الذي يطلق على الفرد سبباً يؤدي للخجل حيث يظهر نمط تسمية الذات عندما يتقبل الأطفال أنفسهم كخجولين، فهم يتصرفون كما لو أن عليهم أن يثبتوا بأنهم فعلاً خجولون وغير مؤكدين لذواتهم (شيفر وميلمان،١٩٨۳/٢۰۰۱).

٥– وأن لأساليب التنشئة الخاطئة دوراً في ظهور الخجل لدى الأبناء فالحماية الزائدة والتدليل من قبل الوالدين للطفل وكذلك التذبذب في المعاملة واتباع أسلوب التهديد والعقاب وجميعها أساليب تربوية خاطئة تساهم في تشكيل وبناء شخصية تتسم بالسلبية وضعف الثقة بالنفس والجبن والاتكالية (حسين،٢۰۰۹).

٦– وكذلك المشكلات النفسية الناتجة عن وجود إعاقات أو عاهات جسمية تجعل من الطفل يميل للانعزال والخجل وتتمثل هذه العيوب في الإعاقات الحركية والبصرية والسمعية أو اضطرابات اللغة أو أن يكون الطفل مصاباً بسمنة مفرطة أو قصر في القامة وقد يكون شعور الطفل بالنقص والخجل ناجماً من ضعف الحالة المادية مقارنة بأقرانه (شيفر وميلمان،١٩٨۳/٢۰۰۱).

يتبع .........
 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع
الدريني، حسين. (۱٩۸٤). مقياس الخجل. كراسة التعليمات. القاهرة: دار الفكر العربي.
الشربيني، زكريا. (١٩٩٤). المشكلات النفسية عند الأطفال. القاهرة: دار الفكر العربي.
النيال، مايسه. (۱۹۹۹). الخجل وبعض أبعاد الشخصية دراسة مقارنة في ضوء عوامل الجنس ،العمر والثقافة. الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية.
أندريه، كريستوف. (۱۹۹۹). الخجل (ترجمة جورجيت الحداد). بيروت: عويدات للنشر والطباعة.(العمل الأصلي نشر في عام ۱۹۹٨).
حسين، طه. (٢۰۰۹). إستراتيجيات إدارة الخجل والقلق الاجتماعي. عمان: دار الفكر.
شيفر، شارلز وميلمان، هوارد. (۲۰۰١). مشكلات الأطفال والمراهقين وأساليب المساعدة فيها (ترجمة نسيمه داوود ، نزيه حمدي). عمان: منشورات الجامعة الأردنية. (العمل الأصلي نشر في عام۱٩۸۳).
Zimbardo, P.(1989). Shyness. USA: Da Capo Press.